فصل: مسألة المكاتب بين الرجلين فيموت أحدهما:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة ابن لرجل وأجنبي اشتريا أب أحدهما فأعتقاه:

وسئل عن ابن لرجل وأجنبي اشتريا أب أحدهما فأعتقاه، ثم مات الأب وترك موالي فمات بعض الموالي، فقال: ولاؤهم للابن دون الأب ما دام حيا. قال أصبغ: لأن النسب قائم ولا ولاء مع النسب، وولد الابن فيهم بمثابة أبيهم لو كان حيا حتى ينقطع النسب فيصير الولاء نصفين بين الأجنبي وعصبة الابن يوم يموت الموالي ويرجع الولاء إلى غير ولد ولا نسب.
قال محمد بن رشد: قوله فيمن مات من موالي الأب إن ميراثهم لابنه ولابن ابنه على ما قاله أصبغ يريد ولجميع عصبته أيضا الأقرب فالأقرب فالأقرب دون الآخر يريد دون الأجنبي الذي أعتق نصف الأب صحيح على ما قاله؛ لأن ولد الرجل ولد ولده وسائر عصبته الأقرب فالأقرب بميراث مواليه ممن أعتقه هو إذ لا ينتقل الولاء إلى مولى المولى حتى لا يكون للمولى ولد ولا عصبة، فإذا لم يكن له ولد ولا عصبة رجع الولاء إلى مولاه الذي أعتقه.
فقوله: إذا انقطع النسب إن الولاء يصير نصفين بين الأجنبي وعصبة الابن يريد أن ميراثه يكون نصفه للأجنبي الذي أعتق في حق الأب والنصف الآخر لعصبة الابن الذي أعتق النصف الآخر، يعني مواليه إن كان مولى، وإن لم يكن مولى فهو لجماعة المسلمين، وبالله التوفيق.

.مسألة المكاتب بين الرجلين فيموت أحدهما:

وسئل عن المكاتب بين الرجلين فيموت أحدهما فيوصي بعتق نصيبه وأن يستتم عتق نصيب صاحبه، قال: ليس ذلك له أن ينتقل عن صاحبه ولاء قد صار له وثبت له.
قيل له: فإن رضي صاحبه أن يجيز له ما صنع؟ قال: لا يجوز على حال، قال أصبغ: مثله حتى يعجز فيعتق على الميت في ثلثه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الكتابة من العقود اللازمة، وهي تثبت الولاء، فليس لأحد الشريكين أن يوصي بعتق نصيب صاحبه فينقل الولاء عنه إلى نفسه، ولا يجوز ذلك وإن رضي به شريكه لما جاء من النهي عن بيع الولاء وهبته إلا أن يعجز كما قال أصبغ: فيعتق على الميت في ثلثه بما أوصى له به، قيل: إذا رضي الشريك بذلك، وقيل: رضي أم لم يرض، وقد مضى الاختلاف في هذا وتوجيهه في رسم العتق من سماع أشهب، وبالله التوفيق.

.مسألة عبد بين اثنين يستأذن العبد أحد مواليه بأن يعتق عبدا له:

قال ابن القاسم في عبد بين اثنين يستأذن العبد أحد مواليه بأن يعتق عبدا له فأذن له وكتم مولاه الآخر ذلك حتى أعتقاه جميعا لمن يكون ولاء العبد الذي أعتقه العبد؟ قال: للعبد الذي أعتقه وليس للذي أذن له أن يعتق عبده من ولائه شيء؛ لأنه لو أراد أيضا أن يأخذ من ماله شيئا لم يكن له ذلك إلا أن يأذنا له جميعا فيكون الولاء لهما دون العبد وإن عتق.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إذ لا يجوز إذن أحدهما في ذلك له دون صاحبه من أجل أنه ليس له أن ينتزع ماله، فإذنه كلا إذن، فوجب أن يرجع إليه الولاء إذا أعتق، وقد مضى في رسم سن من سماع ابن القاسم ما فيه بيان هذا، وبالله التوفيق.

.مسألة شهد عليه أنه كان يقر أن ولاءه لبني فلان:

قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول فيمن شهد عليه أنه كان يقر أن ولاءه لبني فلان مثل بني زهرة أو بني تميم أو ما أشبه ذلك:
لا يكون لأحد من هؤلاء من ولائه قليل ولا كثير إذا سمى الفخذ هكذا بعينه حتى يبين لمن هو منهم خاصة؟ وإلا فليس لأحد منهم قليل ولا كثير. وقال أصبغ: حتى يسمي القوم بأعيانهم أو بني الأب بعينه عند الأب الجامع.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأن الولاء كالنسب، فلو ثبت لرجل أنه من بني تميم أو من بني زهر بن كلاب ولم يعرف من عصبته بأعيانهم معرفة قعددهم منه وحيث يلتقون معه من الآباء كان ميراثه لجماعة المسلمين، ولم يكن لواحد منهم للجهل بقعدده منه، وبالله التوفيق.

.مسألة قال لعبده أنت حر قبل موتي بخمس سنين:

ومن كتاب الوصايا الصغير:
قال أصبغ: سئل عن رجل قال لعبده: أنت حر قبل موتي بخمس سنين.
قال: لا يعتق حتى يموت، فإذا مات عتق في الثلث، ولو قال لعبده أنت حر قبل موتك بخمس سنين قال: لا حرية له أصلا.
قال محمد بن رشد هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم يوصي لمكاتبه من سماع عيسى فلا معنى لإعادته.

.مسألة أعتق شركا له في عبد:

من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم قال أبو زيد ابن أبي الغمر: سئل ابن القاسم عن رجل أعتق شركا له في عبد، فلما أرادوا أن يقوموه عليه قال: إنه آبق سارق وشريكي يعلم ذلك منه، وليس له بينة فاستحلفوه.
قال: أرى أن يقوم على أنه لا عيب فيه إلا أن يأتي المعتق ببينة، ولا أرى على الشريك يمينا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضت والكلام عليها في رسم العتق من سماع أشهب فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة قال غلامي ميمون حر إن بعته:

وقال في رجل قال: غلامي ميمون حر إن بعته ومرزوق غلام فلان حر إن اشتريته أبدا، فباع ميمونا بمرزوق الذي حلف بعتقه أن لا يشتريه قال: يعتقان عليه جميعا.
قال محمد بن رشد: زاد ابن المواز في هذه المسألة، وعليه قيمة العبد الذي ابتاع وبزيادة تتم، وذلك أن البائع لمرزوق لما باعه من الذي حلف بحريته إن اشتراه عتق على المشتري بنفس الشراء، ولما كان بيعه إياه منه بالعبد الذي كان حلف البائع بحريته إن باعه لم يصح له ملكه لوجوب عتقه على البائع، فصار كمن باع عبده بعبد فأعتق المشتري العبد الذي اشتراه واستحق من يد البائع العبد الذي باعه بحرية، فوجب للبائع أن يرجع على المبتاع بقيمة العبد الذي باعه منه لفواته عنده بالحرية.
وهذا التوجيه إن كان البائع لمرزوق لم يعلم بيمين المبتاع له، وأما إن علم بيمينه فوجه وجوب القيمة له فيه هو أنه لما باعه منه وقد علم أنهما يعتقان جميعا على المبتاع له بنفس الابتياع، وأنه لا يأخذ في عبده إلا قيمته صار كأنه باعه منه بقيمته وهو بيع فاسد فات بالعتق فوجبت له فيه القيمة، وبالله التوفيق.

.مسألة قال غلامي ميمون حر إن لم أفعل:

وقال في رجل قال: غلامي ميمون حر أو مرزوق إن لم أفعل كذا وكذا ثم يموت قبل أن يفعله، قال: يسهم بينهما ثم يعتق من وقع السهم عليه إذا حمله الثلث، ولا يقوموا ولا يبالي من وقع عليه العتق على من كان أرفعهم أو أخفضهم إذا حمله الثلث.
قال محمد بن رشد: لما كان الحنث في أحد العبدين لا يجب إلا بالموت أشبه الوصية بعتق أحدهما، فوجب أن يسهم بينهما فيعتق من خرج السهم منهما عليه، كان أرفعهم أو أخفضهم كما قال؛ لأن الميت إنما أراد عتق واحد منهما، وقد قيل: إنه يعتق نصف قيمتهما بالسهم، وهو الذي يأتي على ما حكاه سحنون عن مالك في سماع محمد بن خالد، ولا يقال في هذه المسألة: إن العتق يجري فيهما، فيعتق من كل واحد منهما نصفه إن حمله الثلث على قياس قول ابن القاسم في رسم باع شاة من سماع عيسى؛ لأن ذلك عتق كان أصله في الصحة، والسنة قد جاءت بالقرعة في العتق عند الموت إلا على من يرى القرعة أصلا كمذهب أهل العراق وهو قول المغيرة، فيقول إن العتق يجري فيهما ولا يسهم بينهما، وأما تخيير الورثة في هذه المسألة فلا يقال به فيها، والله الموفق.

.مسألة قالت لجارية لها إن ولدت غلاما فأنت حرة فولدت غلاما ميتا:

وقال في امرأة قالت لجارية لها: إن ولدت غلاما فأنت حرة شكرا لله، فولدت غلاما ميتا قال: تعتق.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنها إنما قالت إن ولدت غلاما ولم تقل حيا ولا ميتا، فوجب أن يحمل قولها على عمومه، ومن جهة المعنى أيضا لا فرق بين أن تلده ميتا أو حيا فيموت قبل أن يبلغ مبلغ الانتفاع به، وقد خلصت في الوجهين جميعا مما خشته من أن تضع جارية لكراهيتها لها، والله أعلم، وتعتق عليها بالحكم؛ لأنها يمين وإن خرجت مخرج النذور، ولو قالت: لله علي أن أعتقك إن ولدت غلاما لم يحكم عليها بعتقها على مذهب ابن القاسم خلافا لقول أشهب، وقول ابن القاسم أظهر؛ لأن في الحكم عليها تفويتا بالوفاء بالنذر، إذ لا يكون الوفاء دون نية، وبالله التوفيق.

.مسألة أعتق أم ولده على أن أسلمت له ولده الصغير منها:

وقال في رجل أعتق أم ولده على أن أسلمت له ولده الصغير منها يكون عنده: إنه يرد إليها، وليس ذلك بمنزلة الحرة يصالحها على أن تسلمهم إليه، فذلك جائز، ولا يرجعون إليها.
قال محمد بن رشد: قد روي عن ابن القاسم أن ذلك يلزمها بمنزلة الحرة، حكى ابن المواز عنه القولين جميعا، وقد تكررت هذه المسألة في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب التخيير والتمليك، وقلنا فيها هنالك: إن الأصل في هذا الاختلاف هو أنه لما أعتقها على أن أسلمت إليه ولده منها حصل إسقاطها لما يجب لها من حضانة ولدها في حال العتق معا، فمرة رأى الإسقاط مقدما على العتق فلم يلزمها إياه إذ لم تلتزمه إلا في حال رقها وفي حال لا تملك نفسها، ويقدر السيد فيه على إكراهها، فصارت في حكم المغلوبة على ذلك، ومرة رأى العتق مقدما على الإسقاط فألزمها إياه؛ إذ لم تلتزمه إلا في حال حريتها بعد عتقها، فأشبهت الحرة يصالحها على أن تسقط حقها في حضانة ولدها، والأظهر من جهة القياس أن ذلك لا يلزمها لأنهما إذا وقعا معا فقد وقع كل واحد منهما قبل كمال صاحبه، وعلى هذا الأصل وقع الاختلاف في الرجل يعتق أمته على أن تتزوجه بكذا وكذا، وقد مضى الكلام على ذلك مستوفى في رسم حلف من سماع ابن القاسم من كتاب النكاح، والأظهر من جهة المعنى أن ذلك يلزمها؛ لأنها اختارت عتقها على حضانة ولدها كما اختارت الزوجة نفسها على ذلك، فوجب أن يستويا، وبالله التوفيق.

.مسألة ترك غلامين أختلف في عتقهما:

قال في رجل توفي وترك غلامين، يقال لهما: ميمون وسلام، فشهد رجلان عدلان أن أباه الميت قد أعتق ميمونا في صحته منه، وقال الابن: لا، بل سلام الذي أعتق في مرضه.
قال ابن القاسم: يقال للابن: أنت تقول إنما شهد الشاهدان بزور، وأن المعتق إنما هو سلام، فانظر إلى قيمة ميمون وإلى ثلث ما ترك الميت فإن كان سلام يحمله الثلث مع قيمة الغلام الآخر فسلام حر، وخرج ميمون بالشهادة حرا، وإن لم يحمله ثلث ذلك فما حمل الثلث منه عتق وخرج الآخر حرا.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه الرواية: إن سلاما يعتق إن حمله الثلث مع قيمة الغلام الآخر مثل قوله في رسم العتق من سماع عيسى من كتاب الوصايا وخلاف قوله في رسم العتق من سماع عيسى من هذا الكتاب على ما فسره عيسى بن دينار من أنه يعتق إن حمله الثلث دون الآخر، وقد مضى تمام القول على هذا هنالك فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة حلف ليفعلن فعلا ولم يضرب له أجلا:

وقال في رجل قال في أخ له: إن لم يصنع لنا فجاريته حرة، فأقام أشهرا يماطله، ثم صنع له بعد أشهر، فقال: أخاف أن يحنث، قال: وأراه قد حنث.
قال محمد بن رشد: خشي عليه الحنث أولا ولم يحققه عليه، ثم حققه عليه بقوله: وأراه قد حنث، وإيجابه الحنث عليه وإن كان قد صنع من أجل أنه أخره ولم يعجله يقتضي ظاهره أنه حمل يمينه على التعجيل حتى يريد التأخير، وهو خلاف المشهور في المذهب من أن من حلف ليفعلن فعلا ولم يضرب له أجلا لا يحنث إلا بالموت إذا كان يمكنه فعل ما حلف ليفعلنه طول حياته، فإن كانت يمينه بعتق أو بما فيه كفارة لزمه ذلك في ثلثه، وإن كانت بطلاق لم يكن عليه شيء؛ إذ لا يقع الطلاق على أحد بعد موته، وأما إذا فاته في حياته فعل ما حلف ليفعلنه مثل أن يحلف ليضربن عبده أو ليذبحن شاة فيموت العبد قبل أن يضربه أو الشاة قبل أن يذبحها فيحنث بالتفريط إن كان قد حيى أو حييت قدر ما لو أراد أن يضربه أو يذبحها أمكن ذلك.
والاختلاف في هذا جارٍ على اختلاف أهل الأصول في الأمر بالشيء هل يقتضي الفور أم لا؟ وعلى هذا اختلفوا في الحج هل هو على الفور أو على التراخي، وقد قال أبو بكر بن محمد في هذه المسألة: لا شيء عليه؛ لأنه لم يضرب أجلا فجاوزه دون أن يفعل ما حلف عليه، وقال أبو محمد: إنما عني أبو بكر إذا لم ينو الاستعجال، وابن القاسم خاف عليه أن يكون نوى الاستعجال فلذلك أحنثه، ولا اختلاف إذا كانت له نية في التعجيل أو التأخير، وإنما الاختلاف إذا عريت يمينه من النية على ما تحمل؟ والمشهور في المذهب ما ذكرناه من أنها تحمل على التأخير فلا يحنث إلا بالموت أو بفوات الفعل، وبالله التوفيق.

.مسألة قال لعبده إن فارقت غريمي فأنت حر ففارقه:

وقال في رجل قال لعبده: إن فارقت غريمي فأنت حر، ففارقه قال: قد كان لا يراه عتيقا، ثم عرضته عليه مخليا وما بقي أحد فأمرني بمحوه ورآه حرا، قال: وكذلك من قال لعبده أنت حر إن دخلت دار فلان فدخلها.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم لم يدرك من سماع عيسى فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة اليمين لا يلحق إلا بتحقيق الدعوى:

وقال في رجل كان جالسا في ملإ فمر به غلام له، فقال له بعض القوم: ما اسم غلامك هذا؟ فقال حر، وليس اسمه حرا، قال: هو كاذب وليس عليه شيء.
قلت: فهل عليه يمين أنه لم يرد بقوله عتقا؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: قوله إنه لا يمين عليه هو على القياس بأن اليمين لا يلحق إلا بتحقيق الدعوى، وقد مضى الكلام على هذا المعنى مستوفا في رسم لم يدرك ورسم الرهون من سماع عيسى فلا معنى لإعادته.

.مسألة جارية بين رجلين أعتق أحدهما نصيبه:

وقال ابن القاسم في جارية بين رجلين أعتق أحدهما نصيبه ثم إن معتق النصف باعها من رجل فوطئها فحملت منه، قال: يرجع الذي حملت منه بالثمن على من اشترى منه، ويرجع المتمسك بالرق على الذي أحبلها بنصف الثمن فقط.
قال محمد بن رشد: قوله: ويرجع المتمسك بالرق على الذي أحبلها بنصف الثمن فقط كلام فيه نظر، وإنما الواجب أن يرجع عليه بقيمة نصفها فغلب حرية نصفها الآخر. إما يوم أحبلها ولا يكون عليه شيء من قيمة ولدها، وإما يوم الحكم عليه بذلك مع نصف قيمة ولدها على اختلاف قول مالك في ذلك؛ لأنه مستحق لذلك النصف من يد مشتر قد أولده، فيجري الحكم فيه على اختلاف قوله فيمن استحق أمته من يد مشتر بعد أن أولدها، ويكون من حقه أن يرجع على الشريك المعتق لحصته منها بما انتقصه من قيمة نصفها بسبب حرية النصف الآخر؛ لأنه كان من حقه أن يقومها عليه كلها على أنها أمة لا عتق فيها، فيأخذ منه نصف قيمتها على المشهور في المذهب، وهو ظاهر الحديث، وقد قيل: إن المعتق لحظه من العبد لا يلزمه لشريكه إلا قيمة حظه بعيب الحرية يقوم ذلك من قول ابن القاسم في كتاب الجنايات من المدونة ومن قول غيره في كتاب أمهات الأولاد منها، فعلى هذا القول لا يكون له رجوع إلا أن يكون بين الوقتين اختلاف في القيمة وعلى القول بأن لمستلحق الجارية وقد ولدت أن يأخذها وقيمة ولدها يكون للمتمسك بالرق أن يأخذ حظه منها ونصف قيمة ولدها، فيقوم على المعتق لحظه منها ويكون لها ولاء جميعها، فهذا وجه القول في هذه المسألة، وقد رأيت لابن دحون فيها كلاما مختلا لا يصح، قال: إنما رجع على المشتري بنصف الثمن لأنه هو أفاتها وقد كانت القيمة تلزم المعتق إلا أنه لما باعها أفاتها الذي أحبلها، فسقطت عنه القيمة ورجعت على الذي أحبلها، والأموال تضمن بالعمد والخطأ، وتعتق الجارية إذ لا منفعة فيها للذي أحبلها؛ لأن نصفها حر ونصفها أم ولد، ولا شيء عليه في الولد لأنه غير غاصب ولا متعدي، هذا نص قوله، وقد مضى من قولنا ما يدل على خطائه فيه في غير ما موضع منه، وبالله التوفيق.

.مسألة حلف بعتق جارية له ليبيعنها:

وقال في رجل حلف بعتق جارية له ليبيعنها فولدت له أولادا أو فرط في بيعها ثم باعها أترى عليه بيع ولدها؟ قال: إذا باعها فقد بر في ولدها.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، إذ لم يحلف على بيع ولدها، وإنما حلف على بيعها فإذا بر فيها ببيعها لم يكن عليه في ولدها شيء، وإن لم يبعها حتى مات عتقت في ثلثه وعتق ولدها فيه أيضا على الاختلاف الذي قد مضى في غير ما موضع من هذا الكتاب وغيره، ومد مضى تحصيله في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

.مسألة قيد عبده وقال أنت حر إن نزعت هذا القيد:

وقال في رجل قيد عبده وقال: أنت حر إن نزعت هذا القيد عن رجلك أبدا حتى تحفر لي مرحاضا طوله كذا وكذا، قال: ينظر السلطان فإن كان شيئا لا يستطيع رجل أن يحفره رأيت أن يترك؛ لأنه لا يترك وذلك، قيل له: أفيترك في القيد؟ قال: إن كان لا يقوى على ما حلف عليه عتق وحل عنه.
قال محمد بن رشد: قوله إن كان لا يقوى على ما حلف عليه عتق وحل عنه القيد يدل على أنه إن كان يقوى على حفره وهو مقيد على حاله ترك مقيدا حتى يحفره، ولم يعتق عليه، وهذا إن كان لتقييده إياه وجه من أنه يخشى إباقه وأنه إنما قيده أدبا له على شيء صنعه.
وأما إن كان قيده لغير سبب وحلف أن لا يحله منه حتى يحفر له ما حلف عليه لوجب أن يطلق عليه إلا أن يكون القيد خفيفا لا مشقة- عليه فيه، فقد قيل إن الرجل إذا حلف بحرية عبده أن يضربه الأسواط اليسيرة على غير سبب يمكن من ذلك ولا يعتق عليه، قال ذلك ابن أبي زيد، وهو ظاهر ما في الواضحة في الزوجة وهو بعيد، فلا يجب أن يحمل ذلك على ظاهرة، وإنما يتأول على أنه يصدق في أنه قد أذنب ما يستوجب ذلك الضرب اليسير، وقد مضى هذا المعنى مجودا في رسم العتق من سماع أشهب من هذا الكتاب، وفي أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب السلطان، وبالله التوفيق.

.مسألة عبد بين رجل وامرأته أعتق كلا منهما نصيبه:

وسئل ابن القاسم عن عبد بين رجل وامرأته فقال الزوج: نصيبي منك حر إذا ماتت امرأتي، وقالت المرأة: نصيبي منك حر إذا مات زوجي. قال: إذا مات الزوج عتق نصيب امرأته من رأس ماله ولا يلحقه دين كان بعد، ويبدأ على الوصايا وخدم ورثة الزوج أبدا حتى تموت المرأة، فإذا ماتت المرأة خرج حرا كله من رأس المال ولا يلحقه دين كان بعد ويبدأ على الوصايا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم أوصى أن ينفق على أمهات أولاده فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة يحلف بالطلاق أو بالحرية ليضربن غلامه مائتي سوط:

قال ابن القاسم في الرجل يحلف بالطلاق أو بالحرية ليضربن غلامه مائتي سوط أو ثلاثمائة فضربه ضربا ينهكه ويبلغه هل يعتق عليه؟ قال: لا أرى أن يعتق عليه إلا أن يكون قد بلغ به الضرب أمرا يكون فيه مثلة شديدة من الأثر، فإن كان الضرب قد بلغ به من ذهاب لحمه حتى صار مثلة، قال: ورب ضرب يذهب اللحم حتى يبلغ العظم فيصير جلدا على عظم يتآكل، فإن بلغ منه هذا حتى يصير مثلة بينة عند الناس رأيته مثل قطع الأصابع وما أشبهه ورأيت أن يعتق عليه وإلا فلا شيء عليه، ولو رفع مثل هذا إلى السلطان قبل أن يضرب الضرب الذي يعلم أنه إن ضربه إياه خيف على العبد منه رأيت أن يعتق عليه وتطلق عليه امرأته، ولا يمكن من ضربه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: لأنه إذا أثر الضرب بجسده هذا التأثير فهو تمثيل به وإن لم يقطع جارحة من جوارحه قياسا على الحرق بالنار الذي جاء فيه الأثر: قول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «من مثل بعبده أو أحرقه بالنار فهو حر»، وبالله التوفيق.

.مسألة قال لجاريته أنت حرة إن لم أبعك:

وقال في رجل قال لجاريته: أنت حرة إن لم أبعك ولو بوضيعة عشرة دنانير، فلم يعط إلا وضيعة خمسة عشر دينارا قال: لا يحنث ويطأها وإن مات لم تعتق في ثلث ولا غيره، ويتعرض بها الأسواق.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها في رسم يوصي لمكاتبه من سماع عيسى من هذا الكتاب وفي رسم المكاتب من سماع يحيى من كتاب الإيالة فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة يشتري الجارية فتوضع للاستبراء فيعتقها المشتري:

وقال في رجل اشترى أمة فوضعت للاستبراء فحلف بعتقها لرجل ليقضينه حقه فحنث، ثم ظهر بالجارية حمل ليس هو من البائع، قال: يردها بالحمل ويأخذ الثمن ولا عتق عليه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قال بعض الناس فيها: إنها مسألة حائلة لابن القاسم ليست على أصله في أن للمشتري أن يسقط المواضعة عن البائع ويقبلها بعيب الحمل إن ظهر بها إذا لم يقع على ذلك، خلاف ما ذهب إليه سحنون من أن ذلك لا يجوز له لأنه يتهم في إسقاط الضمان عن البائع وتعجيل النقد على أن يتعجل الانتفاع بالجارية قال: ورواية محمد بن خالد عنه في كتاب الاستبراء يردها، وذلك أنه قال فيها في الرجل يشتري الجارية فتوضع للاستبراء فيعتقها المشتري وهي في المواضعة من قبل أن تستبرأ: إن عتقه يمضي ولا يكون له أن يردها وإن ظهر بها حمل إذا كان بائعها لا يدعي حملها؛ لأنه قد قطع ذلك عن نفسه بعتقه إياها ورضي بذلك، وليس ذلك عندي بصحيح؛ لأنه إذا بتل عتقها فقد رضي بعيب الحمل إن ظهر وأسقط التبعة فيه عن البائع بقصده إلى تفويتها بالعتق، والحالف أن يقضي غريمه حقه ليس بقاصد إلى تبتيل العتق باليمين، وإنما قصد به إلى التخلص من غريمه فلا يحمل عليه إن رضي بعيب الحمل إن ظهر إذ لم يرد إلا البر بالقضاء، ولعله غلب على الحنث بالعجز عن القضاء، فوقع الحنث بغير اختياره، وهذا فرق بين بين المسألتين، فلا يحمل على ابن القاسم التناقض والاضطراب في ذلك، ويأتي على ما ذكرناه من مذهب سحنون أن عتق المشتري فيها في أمد المواضعة لا يلزمه، وأن له أن يردها إن ظهر بها حمل ويبطل العتق، وبالله التوفيق.